محمد بن جرير الطبري

570

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

حذف " من " من " من برد " ( 1 ) ولا يجيز حذفها من " الجبال " ، ويتأول معنى ذلك : وينزل من السماء أمثالَ جبالٍ بردٍ ، ثم أدخلت " من " في " البرد " ، لأن " البرد " مفسَّر عنده من " الأمثال " ( 2 ) أعني : " أمثال الجبال " ، وقد أقيمت " الجبال " مقام " الأمثال " ، و " الجبال " وهي " جبال برد " فلا يجيز حذف " من " من " الجبال " ، لأنها دالة على أن الذي في السماء الذي أنزل منه البرد ، أمثالُ جبال بردٍ . وأجاز حذف " من " من " البرد " ، لأن " البرد " مفسَّر عن " الأمثال " ، كما تقول : " عندي رطلان زيتًا " و " عندي رطلان من زيت " ، وليس عندك " الرطل " ، وإنما عندك المقدار . ف - " من " تدخل في المفسِّر وتخرج منه . وكذلك عند قائل هذا القول : من السماء ، من أمثال جبال ، وليس بجبال . وقال : وإن كان : " أنزل من جبال في السماء من برد جبالا " ، ثم حذف " الجبال " الثانية ، و " الجبال " الأول في السماء ، جاز . تقول : " أكلت من الطعام " ، تريد : أكلت من الطعام طعامًا ، ثم تحذف " الطعام " ولا تسقط " من " . * * * قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك : أن " من " لا تدخل في الكلام إلا لمعنى مفهوم ، وقد يجوز حذفها في بعض الكلام وبالكلام إليها حاجة ، لدلالة ما يظهر من الكلام عليها . فأما أن تكون في الكلام لغير معنى أفادته بدخولها ، فذلك قد بيَّنا فيما مضى أنه غير جائز أن يكون فيما صحّ من الكلام . ( 3 ) ومعنى دخولها في قوله : " فكلوا مما أمسكن عليكم " ، للتبعيض ، إذ كانت الجوارح تمسك على أصحابها ما أحل الله لهم لحومه ، وحرَّم عليهم فَرْثه ودمَه ، فقال جل ثناؤه : " فكلوا " = مما أمسكتْ عليكم جوارحكم ( 4 ) = الطيبات التي أحللت

--> ( 1 ) في المطبوعة والمخطوطة : " حذف من من برد " ، والصواب زيادة " من " الثالثة كما أثبتها . ( 2 ) " المفسر " : المميز . و " التفسير " : التمييز . وانظر فهارس المصطلحات . ( 3 ) انظر المواضع السالفة التي أشرنا إليها في التعليق : 2 ، ص 569 . ( 4 ) في المطبوعة والمخطوطة : " مما أمسكن عليكم جوارحكم " ، والصواب الجيد ما أثبت ، إنما خلط النساخ بين ( النون ) ، و " التاء " .